في إسرائيل، يُسمح لك بالفوز في الانتخابات، لكن ليس بالحكم
عندما لا يبقى حق الاختيار إلا على الورق، ومحاولة الحكم ذاتها تصبح مشبوهة، فالمشكلة لم تعد سياسية فحسب. إنها دستورية.

في إسرائيل السنوات الأخيرة، تبلور تشوّه خطير وشبه عبثي: معسكر واحد يُسمح له بالفوز في الانتخابات، لكن لا يُسمح له بالحكم. يمكنه الحصول على أغلبية. يمكنه تشكيل حكومة. يمكنه سماع الرئيس يسلّمه التفويض. لكن في اللحظة التي يحاول فيها ترجمة ذلك الفوز إلى سياسة، يبدأ الطقس: العرقلة، الارتياب، التأطير السلبي، والتفسيرات المتعلّمة لماذا إرادة الناخبين هي في الحقيقة مجرد توصية.
هذا ليس نقدًا موضوعيًا عاديًا لحكومة. النقد جزء صحي من الديمقراطية. المشكلة تبدأ عندما تُقدَّم محاولة الحكم ذاتها على أنها مشبوهة. عندما يُوصف كل تحرك تقريبًا لحكومة منتخبة تلقائيًا بأنه خطير ومتطرف ومناهض للديمقراطية أو ضار بسيادة القانون، فالمسألة لم تعد رقابة. إنها منهج. منهج يعلّم الجمهور رسالة بسيطة واحدة: صوّت لمن تشاء، طالما أنهم لا يغيّرون شيئًا فعليًا.
هكذا أصبحت كلمة "حكم" شتيمة. بدلاً من فهم أن الحكم شرط أساسي لديمقراطية عاملة، أعادت إسرائيل تدريجيًا صياغته ليصبح شبه مرادف لإساءة الاستخدام. بدلاً من النظر إلى الحكومة كجسم مُختار ليقرر ويقود ويحدد الأولويات وينفّذ، يصرّ البعض على معاملتها كجسم مسموح له أساسًا بالإدارة والتفسير وانتظار الموافقة من مراكز قوى لم تترشح يومًا لانتخابات عامة.
هنا يُكشف التشوّه بأوضح صوره. إسرائيل لا تتجادل حول السياسة فقط. إنها تتجادل حول حق الحكم ذاته. هل يُسمح لحكومة منتخبة بتقديم الأجندة التي اختيرت من أجلها، أم أن دورها الاصطدام مرارًا وتكرارًا بجدران من القانون والبيروقراطية وضغط الإعلام والقوة المدنية المنظمة حتى تستوعب الرسالة: فزتم في الانتخابات، لكن الدولة لا تزال ليست لكم لتديروها.
هذا ليس سؤالاً مؤسسيًا فقط. إنه سؤال ثقافي. التأطير محدد سلفًا. عندما تطلب حكومة من المعسكر الوطني صلاحية تنفيذية، تتحوّل اللغة فورًا إلى لغة الخطر. عندما تمارس أنظمة غير منتخبة سلطة حقيقية، تصبح اللغة فجأة لغة المسؤولية. عندما يسعى سياسيون لإحداث تغيير، يوصفون بأنهم يهددون النظام. عندما يوسّع حراس البوابة والمستشارون والمسؤولون أو الهيئات القانونية نطاق صلاحياتهم، يُقدَّم ذلك على أنه توازن ضروري. هكذا يُبنى واقع يُجبر فيه جانب واحد مرارًا على تبرير رغبته ذاتها في الحكم.
النتيجة تآكل مزدوج. الحكم ذاته يتآكل: الحكومات المنتخبة تكافح لتنفّذ وتتقدّم وتقرر. الثقة العامة تتآكل أيضًا: إذا فهم الناخبون أنه حتى بعد قرار ديمقراطي تبقى السلطة الحقيقية في مكان آخر، فإنهم يستوعبون الدرس بأن صندوق الاقتراع لا يكفي. وعندما يتوقف صندوق الاقتراع عن أن يكون كافيًا، تبدأ الديمقراطية نفسها بفقدان وزنها.
الحكم ليس كلمة قذرة. ليس خللاً. ليس تهديدًا. إنه الاختبار الأساسي لأي نظام ديمقراطي عامل. بدون القدرة على الحكم، لا يكون لقرار الناخبين معنى حقيقي. بدون القدرة على تنفيذ السياسة، تصبح الانتخابات مسرحًا رمزيًا. وبدون الاستعداد للاعتراف بشرعية حكم الأغلبية حتى عندما يكون غير مريح لمراكز قوى معينة، تتحوّل الديمقراطية تدريجيًا إلى نظام يسمح بالاختيار لكنه يخشى القرار.
هذا بالضبط أين تقف إسرائيل. ليس في صراع بين ديمقراطية ولا-ديمقراطية، بل في صراع بين من يؤمن بأن حكم الجمهور يجب أن يتحقق في العالم الحقيقي، ومن يوافق على وجوده فقط طالما يبقى محدودًا ومقيّدًا ومرهونًا بموافقة خارجية. من يرفض رؤية ذلك يختار تجاهل ليس فقط الواقع السياسي، بل التآكل الطويل لفكرة الحكومة المنتخبة ذاتها.
في النهاية، السؤال بسيط: في إسرائيل، هل يُسمح لك فقط بالفوز في الانتخابات، أم يُسمح لك أيضًا بالحكم. طالما ظل هذا السؤال مفتوحًا، فالمشكلة لم تعد متعلقة بحكومة هذه أو تلك. إنها مشكلة في النظام العام ذاته.
انضمّوا للنشرة الإخبارية
مرّة بالأسبوع. نصّ حادّ، تحليل واضح، وصوت يعيد التوازن للخطاب.
منشورات ذات صلة

قانون عقوبة الإعدام للإرهابيين يُقرّ: الكنيست يثبت أن حكومة منتخبة قادرة على العمل
أقرّ الكنيست اليوم قانون عقوبة الإعدام للإرهابيين. بعيداً عن الإنجاز التشريعي، هذه لحظة رمزية: دليل على أن حكومة منتخبة قادرة على تنفيذ الأجندة التي انتُخبت من أجلها، حتى في مواجهة مقاومة مؤسسية عنيدة.

نتنياهو يبحث عن مراقب دولة "لا يخشى الدولة العميقة"
مع انتهاء ولاية مراقب الدولة الحالي في يوليو، يجري نتنياهو مشاورات لاختيار خليفه، مفضلاً مرشحاً "لا يخشى الدولة العميقة" على القاضي المتقاعد المدعوم من المؤسسة التقليدية.

الكنيست توسع صلاحيات المحاكم الحاخامية: كيف تفضح المعارضة العلمانية ازدواجية المعايير
أقرت الكنيست قانوناً يوسع صلاحيات المحاكم الحاخامية لتشمل النزاعات المدنية، فانفجرت المعارضة العلمانية بخطاب 'دولة الشريعة' - كاشفة ازدواجية معاييرها في التعامل مع الشرعية المؤسسية.